محمد بن أحمد النهرواني
253
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وكان بنى السلطان سبيلا على يمين الداخل إلى خان البزار على المسعى يقال له : العلقمية ، وكان أمامه إلى جهة القبلة بالمسعى سبيل قديم للقاضي شهاب الدين الطبري على يسار الذاهب إلى المروة ، فأشار الخواجا شمس الدين بن الزمن والمهندس أن يهدم هذا السبيل حتى تظهر عمارة السلطان وسبيله فهدم ، وصار المسعى مكشوف ، وعمارة الخان والسبيل ظاهرة . وسافر السلطان في ظهر يوم بالسبت لأربعة عشر ليلة خلت من ذي الحجة بعد أن طاف للوداع والريس يدعو له على قبة زمزم ، ومشى القهقرى إلى أن خرج من باب الخاسرون وركب معه السيد الشريف محمد بن بركات وأولاده ، وقاضى القضاة إبراهيم بن ظهيرة إلى الزاهر ، ثم زودهم ووادعهم ، وسار إلى مصر وعاد إلى مملكته ، ولم يختل عليه شئ من أمر ملكه من غيبته من تحت سفره مدة الحج ، وهي نحو ثلاثة أشهر ، وذلك لإتقانه أمر المملكة وتدبره ، وضبطه ( رحمه اللّه ) . وكان واسطة عقد ملوك الجراكسة وأقربهم إلى قلوب الرعية في اللطف والمؤانسة وأجملهم جمالا وإجمالا ، وأحسنهم إحسانا ، وأفضلهم أفضالا ، وأكملهم عقلا ، ونبلا واعتدالا ، وأكثرهم في جهات الخيرات إيثقارا وثاثا ، وأكثرهم عمائرا وقافا وأدورا طولهم طولا وزمانا ، وأملكهم ملكا وقوة وإمكانا ، وكانت أيامه كالطراز الذهب ، ودولته تتجلى كالعروس في حلل الجوهر والذهب . وعاشت الرعية في أيامه عيشا رغدا ، وظهرت العلماء في أيامه فكثروا ونموا ، فصاروا نجوم الهدى إلى أن انتبه الزمان الجائر ، واستفضيت له عيون صروف الليالي العواثر ، ودارت عليه - كما دارت على من قبله - الدوائر ، وهذا شأن الدنيا الدنية في أبنائها الأصاغر والأكابر ، ودأبها في السلاطين والملوك الغوائر ، والبقاء والدوام للّه عز وجل القدير القاهر ، فقدم على قايتباى بريد أجله ، وما أغنى عنه ما جمعه من حيله ومن حوله ، ولا منع شئ من حوله فأقدم على ما قدم من صالح عمله وترك ما خوله من متاع الدنيا وراء ظهره ، وأورج في أكفان أعماله بعد ما غسل بدموع فقره ، وأنزل